أقسام الوصول السريع (مربع البحث)


✨ موضوع حول قوله تعالى: "لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"








المقدمة


الصدقة عبادة عظيمة جعلها الله تعالى من أعظم القربات، فهي باب واسع للخير، وطريق للفوز برضا الله تعالى ونيل رحمته، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ، فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261].
فالصدقة ليست مجرد إخراج مال أو طعام، بل هي دليل صدق الإيمان، وطهارة القلب من الشح والبخل، وشعور بالآخرين ومشاركة لهم في معاناتهم وحاجاتهم.


لكن هذه العبادة قد تضيع هباءً إذا لم تُؤدَّ على الوجه الصحيح، ولهذا جاء التحذير الإلهي في قوله تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
فهذه الآية قاعدة عظيمة في باب الإنفاق والصدقات، إذ بيّنت أن الصدقة لا تُقبل إذا أفسدها العبد بالمنّ أو الأذى، مهما كان قدرها أو قيمتها.


المحور الأول: معنى المنّ والأذى


  1. المنّ لغةً: التذكير بالعطاء والتفاخر به على من أُعطي، كأن يقول: "أنا من أنفقت عليك"، أو "لولا مساعدتي لما وجدت ما تأكل".
  2. الأذى لغةً: كل ما يلحق بالآخر من ضرر نفسي أو لفظي أو فعلي، سواء بالكلام الجارح أو بالتعالي أو بالنظرات المذلة.

وقد اتفق العلماء على أن المنّ والأذى يفسدان الصدقة ويجعلانها بلا قيمة، لأنهما يخرجانها عن روح الرحمة والإخلاص.


المحور الثاني: خطورة المنّ والأذى


. إبطال الصدقة عند الله:


الله تعالى شبّه المنّان المؤذي بالذي يُنفق ماله رياءً ثم لا ينتفع بشيء، فقال:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: 264].
أي أن عمله يذهب أدراج الرياح كما يزول التراب عن الصخر حين ينزل المطر.


. إيذاء نفسية الفقير: 


الفقير حين يمد يده يأخذ مضطرًا، لا اختيارًا، وإذا قوبل عطاؤه بالمنّ والتوبيخ، شعر بالمهانة والذلّ بدل الراحة والشكر.


. تحويل الصدقة إلى نقمة:


بدل أن تكون الصدقة بابًا للألفة بين الناس، تتحول بسبب المنّ والأذى إلى سبب للشحناء والعداوة.

. المحور الثالث: الصدقة المقبولة عند الله


حتى تكون الصدقة خالصة مقبولة، لا بد من توفر شروط وآداب، منها:

الإخلاص لله تعالى:


قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" [رواه البخاري ومسلم].
فالصدقة لا بد أن تكون ابتغاء وجه الله، لا رياءً ولا طلبًا للمدح.

إخفاء الصدقة:

كلما كانت الصدقة سرّية، كان أجرها أعظم، قال تعالى:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271].
الرفق بالفقير وعدم إحراجه:
ينبغي للمتصدّق أن يقدم عطاؤه بلطف ورحمة، وأن يحفظ كرامة الفقير فلا يُشعره بالنقص أو المذلة.

استشعار أن المال مال الله:

فالمؤمن يعطي وهو يعلم أن المال أمانة عنده، وأن الله هو الرزاق. قال تعالى:
﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33].

المحور الرابع: أمثلة من السيرة


  • كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان يعطي عطاءً من لا يخشى الفقر، ومع ذلك لم يُعرف عنه أنه منّ على أحد أو آذاه بكلمة.

  • تصدق أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكل ماله يومًا، فلما سأله النبي ﷺ: "ماذا تركت لأهلك؟"، قال: "تركت لهم الله ورسوله". ولم يعرف عنه أنه منّ على أحد بصدقته.

  • وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتصدق سرًّا حتى لا يعرفه أحد، حرصًا على الإخلاص لله تعالى.

المحور الخامس: آثار الصدقة الخالصة

. مضاعفة الأجر: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، بل إلى ما يشاء الله.

. محو الذنوب: قال النبي ﷺ: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" [رواه الترمذي].
. جلب الرحمة والبركة في المال: فما نقص مال من صدقة قط.
تحقيق التكافل الاجتماعي: فالصدقة تسد حاجة الفقير وتزرع المحبة في المجتمع.


الخاتمة:


الصدقة باب عظيم من أبواب الخير، لكن قيمتها الحقيقية لا تتحقق إلا إذا كانت نقية خالصة من شوائب المنّ والأذى. فالمؤمن الحق لا ينتظر ثناءً ولا شكرًا، بل يعطي وهو يستشعر أن الله هو الذي وفقه للإنفاق.

ولهذا ينبغي لنا أن نتأمل دائمًا في قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾
وأن نجعل من صدقاتنا وسيلة لنيل رضا الله تعالى وحده، لا وسيلة لإذلال الفقراء أو التفاخر أمام الناس.

فالصدقة الخالصة نور في الدنيا، وظل في الآخرة، وسبب للنجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.


تعليقات